أحمد بن محمد المقري التلمساني

65

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

« مولاي الذي شأنه عجب ، والإيمان بعناية اللّه تعالى به قد وجب ، وعزّه أظهره من برداء العزة احتجب ، إذا كانت الغاية لا تدرك ، فأولى أن تسلّم وتترك ، ومنّة اللّه تعالى عليك ليست ممّا يشرح ، قد عقل العقل فما يبرح ، وقيد اللسان فما يرعى « 1 » في مجال العبارة ولا يسرح ، اللهمّ ألهمنا على هذه النعمة شكرا ترضاه ، وإمدادا من لدنك نتقاضاه ، يا اللّه يا اللّه . سعود أنارت بعد أفول شهابها « 2 » ، وحياة كرّت بعد ذهابها ، وأحباب اجتمعت بعد فراقها ، وأوطان دنت بعد بعد شامها من عراقها ، وأعداء أذهب اللّه تعالى رسم بغيهم ومحاه ، وبغاة أدار عليهم الدهر رحاه ، وعباد أعطوا من كشف الغمّ ما سألوه ، ونازحون لو سئلوا في إتاحة القرب بما في أرماقهم لبذلوه ، وسبحان الذي يقول وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ [ سورة النساء ، الآية : 66 ] فليهن الإسلام بياض وجهه بعد اسوداده ، وتغلّب إيالة من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر على بلاده ، وعودة الملك المظلوم إلى معتاده ، واستواء الحقّ النائي جنبه فوق مهاده ، وردّ الإرث المغصوب إلى مستحقّه عن آبائه وأجداده ، والحمد للّه الذي غسل عن وجه الأمّة الحنيفية العار ، وأنقذ عهدتها وقد ملكها الذعار ، فردّ المعار ، وأعيد الشّعار ، نحمدك اللهمّ حمدا يليق بقدسك ، لا بل لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . والعبد ، يا مولاي ، قد بهرت عقله آلاء « 3 » اللّه تعالى قبلك ، فالفكر جائل واللسان ساكت ، والعقل ذاهل والطرف باهت ، فإن أقام رسما للمخاطبة فقلم مرح وركض ، وطرس هزّ جناح الارتياح ونفض ، ليس هذا المرام ممّا يرام ، ولا هذه العناية التي تحار فيها الأفهام ، ممّا تصمي غرضه السّهام ، فنسأل اللّه تعالى أن يجعل مولاي من الشاكرين ، وبأحكام تقلّبات الأيام من المعتبرين ، حتى لا يغرّه السّراب الخادع ، والدهر المرغم للأنوف الجادع ، ولا يرى غير اللّه في الوجود من صانع « 4 » ، ولا معط ولا مانع ، ويمتعه بالعزّ الجديد ، ويوفقه للنظر السديد ، ويلهمه للشكر فهو مفتاح المزيد ، والسلام » ؛ انتهى . [ ومن إنشائه ما خاطب به عبد اللّه التونسي ] وممّا خاطب به لسان الدين رحمه اللّه تعالى أبا عبد اللّه بن عمر التونسي قوله : « سيدي الذي عهده لا ينسى ، وذكره يصبح في ترديده بالجميل ويمسى ، أبقاكم اللّه تعالى تجلون من السعادة شمسا ، وتصرفون في طاعته لسانا فردا وبنانا خمسا : وصلني كتابكم الأشعث الأغبر ، ومقتضبكم الذي أضغاثه لا تعبر ، شاهدة بعدم الاعتناء

--> ( 1 ) في ب « فما يرتعي » . ( 2 ) الأفول : الغروب ، والشهب : أراد به النجم . ( 3 ) الآلاء : النعم . ( 4 ) في ب « في الوجود غير اللّه » .